ابن عربي

42

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

وكان أبو بكر ، وعمر ، وعلي ، وطلحة ، والزبير رضي اللّه عنهم ، ورجال من أهل الوفر ، ساقوا الهدي ، فلم يحلّوا ، وبقوا محرمين ، كما بقي عليه السلام محرما ، لأنه كان ساق الهدي مع نفسه ، وكل أمهات المؤمنين لم يسقن هديا ، فأحللن ، وكنّ قارنات حجا وعمرة ، وكذلك السيدة فاطمة بنت النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وأسماء بنت أبي بكر الصديق رضي اللّه عنهما ، أحلّتا ، حاشا عائشة رضي اللّه عنها ، فإنها من أجل حيضها لم تحل كما ذكرنا ، وشكى علي فاطمة إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم إذا حلّت ، فصدقها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في أنه هو أمرها بذلك ، وحينئذ سأله سراقة بن مالك بن جعشم الكناني ، فقال : يا رسول اللّه ، متّعتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد ؟ ولنا أم للأمة ؟ فشبك عليه السلام بين أصابعه ، وقال : « بل للأبد وللأمة ، دخلت عمرة في الحج إلى يوم القيامة » ، وأمر عليه السلام من جاء إلى الحج على غير الطريق الذي أتى عليها عليه السلام ، ممن أهلّ كاهلا عليه السلام ، بأن يثبتوا على أحوالهم ، فمن ساق منهم الهدي لم يحلّ ، فكان علي في أهل هذه الصفة ، ومن كان منهم لم يسق الهدي أن يحل ، فكان أبو موسى الأشعري من أهل هذه الصفة ، وقام عليه السلام بمكة محرما ، من أجل هديه يوم الأحد المذكور ، والاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء وليلة الخميس . ثم نهض صلى اللّه عليه وسلم ضحوة يوم الخميس ، وهو يوم منى التروية مع الناس إلى منى ، وفي ذلك الوقت أحرم بالحج من الأبطح كل من كان من أصحابه رضي اللّه عنهم ، فأحرموا في نهوضهم إلى منى في اليوم المذكور ، فصلى صلى اللّه عليه وسلم بمنى الظهر من يوم الخميس ، وبات بها ليلة الجمعة ، وصلى بها ليلة الجمعة ، وصلى بها الصبح من يوم الجمعة . ثم نهض عليه السلام بعد طلوع الشمس من يوم الجمعة المذكور إلى عرفة ، بعد أن أمر الناس عليه السلام أن تضرب له قبة من شعر بنمرة ، فأتى عليه السلام عرفة في قبته التي ذكرنا ، حتى إذا زالت الشمس أمر بناقته القصوى ، فرحلت له . ثم أتى بطن الوادي فخطب الناس على راحلته خطبة ، ذكر فيها تحريم الدماء والأموال والأعراض ، ووضع فيها أمور الجاهلية ودماءها ، وأول دم وضع فيها دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، كان مسترضعا في بني سعد بن بكر بن هوازن ، فقتله هذيل ، وذكر النسّابون أنه كان صغيرا يحبو أمام البيوت ، وكان اسمه آدم ، فأصابه حجر عابر ، أو سهم من غرب ، من يد رجل من بني هذيل فمات . قال أبو محمد ، ثم نرجع إلى وصف علمه : ووضع أيضا عليه السلام في خطبة ربا الجاهلية ، وأول ربا وضعه ربا عمه العباس ، وأوصى بالنساء خيرا ، وأباح ضربهن غير مبرّح إن عصين بما لا يحل لهن ، وقضى لهن بالرزق والكسوة ، بالمعروف على أزواجهن ،